
صدر مؤخرًا تصديق رئاسي صادم ومفاجئ على قانون أصدره البرلمان المصري، ينص على مشاركة القوات العسكرية في الرقابة على الأسواق، ومساواة القضاء العسكري بالمدني، المعروف بقانون "تأمين حماية المنشآت والمرافق العامة"،مما فجر مخاوف واسعة بين رجال الأعمال والمستثمرين.
وسبق أن حذر خبراءٌ ومستثمرون الحكومة من الزج بالجيش من أجل إحكام قبضتها على الأسواق، في وقت تتصاعد فيه الأزمات بسبب فشلها في إعادة إدارة الملفات الاقتصادية.
وجاء التحذير واضحا في تغريدة أطلقها رجل الأعمال "نجيب ساويرس" على منصة "أكس"، أكد فيها أن "الإجراءات البوليسية لا تحل أي مشكلة اقتصادية، بل تبعد الاستثمارات"، مشيرا إلى أن منح الضبطية القضائية للجيش "خلط بين دور الشرطة والجيش، وأن القبض على كل من يحمل دولارات سيؤدي إلى نتائج عكسية".
وقد تداول رجال أعمال تغريدة "ساويرس" داخل مجموعات التواصل المغلقة، إذ أكدت صحيفة "العربي الجديد" اطلاعها على العديد منها، دون القدرة على مناقشة القضية على الملأ.
ويبدي رجال الأعمال خشيتهم من التعرض لمشاكل أمنية، "في وقت تطلق فيه الدولة أذرعها الأمنية والرقابية في وجه الجميع، في محاولة يائسة منها للسيطرة على سعر الدولار، ومنع تخزين السلع وكسر الاحتكارات وضبط الأسواق بالطريقة التي تراها مناسبة، لمنع انفجار شعبي"، وفقا لتصريح عضو باتحاد الغرف السياحية.
يشير العضو باتحاد الغرف السياحية، الذي رفض ذكر اسمه، إلى أن الحكومة تبحث عن كبش فداء تلقي به إلى التهلكة في مواجهة قوات الجيش والشرطة، والتهرب من المساءلة عن سياساتها التي أدت إلى إهدار مليارات الدولارات في مشروعات غير إنتاجية على مدار سنوات، مؤيدا الرأي الذي يؤكد أن الحل الأمني سيزيد الأزمة الاقتصادية تعقيدا.
وتدعم أحزاب داعمة للسلطة قرار مشاركة الجيش في الرقابة على الأسواق، ومنها من يطالب بفرض تسعيرة جبرية على السلع، دون أن ينتبه إلى أن الدستور الحالي والقوانين اللاحقة له أنهت دور الدولة في إنتاج السلع والتسعير الجبري نهائيا.
الأسعار في اتجاه واحد نحو الأعلى:
بغض النظر عن كل شيء آخر، تشهد الأسواق المصرية تضخما هائلا بأسعار السلع الغذائية - رغم تراجعها بمؤشر منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) -، إذ يرصد تقرير الأمن الغذائي للبنك الدولي وجود مصر في المرتبة الثانية بقائمة الدول الأكثر تضررا من تضخم الغذاء، والذي يرتفع بنسبة 27%، على أساس سنوي، حيث تأتي بعد الأرجنتين 40%.
ومن الملفت أن تأتي مصر قبل لبنان الذي يحتل المرتبة الثانية بنسبة تضخم 15%، رغم تعرض عملته للانهيار الشديد خلال العامين الماضيين.
وذلك رغم أن التضخم يتباطأ رسميا، حيث سجل أدنى مستوياته في يناير الماضي، مسجلا 29.8% على أساس سنوي، متراجعا من 33.7% في ديسمبر/ كانون الأول 2023، رغم ارتفاع التضخم الشهري إلى 1.6%، في يناير من 1.4% في ديسمبر الماضي.
وكان قد وصل التضخم لأعلى مستوياته بنسبة 38% في سبتمبر/ أيلول 2023، وقفزت أسعار السلع الأساسية خلال الأسبوع الماضي مع زيادة كبيرة بأسعار الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي وخدمات حكومية، وترقب الأسواق لزيادة مقبلة في سعر البنزين والسولار، تساهم جميعا في تصاعد معدلات التضخم وموجات الغلاء.
كما رفعت المخابز سعر رغيف الخبز البلدي الحر إلى 7.5 جنيهات للكبير و3 للمتوسط و2 للصغير، بزيادة تبلغ نحو30% عن قيمته خلال الشهر الماضي، متأثرا بتذبذب سعر الدولار.
ويؤكد سكرتير شعبة المخابز باتحاد الغرف التجارية "خالد فكري"، في تصريحات صحافية، زيادة سعر طن دقيق المعجنات من 9 آلاف إلى 24 ألف جنيه، وطن دقيق الخبز الحر من 7.2 آلاف إلى 16 ألف جنيه، خلال الفترة من فبراير/ شباط 2023 إلى فبراير 2024.
وتهتم اللجان الرقابية الحكومية بضمان كتابة الأسعار على السلع دون القدرة على التدخل في تسعير المنتجات، عدا تلك التي تخصص للجمهور على بطاقات الدعم التمويني أو المحددة بقرارات وزارية من السلع التي تدعمها الدولة ومنظمات الأعمال التي تنضم لمبادرات مواجهة الغلاء والتي تشمل السكر وزيت الطعام واللحوم المستوردة.
وتطبق الحكومة قانون حماية المستهلك، الذي ينص على معاقبة كل تاجر أو صاحب محل لا يضع أسعار السلع باللغة العربية على كل رفوف السلعة بالحبس أو الغرامة، اعتبارا من مارس/ آذار المقبل.
الحكومة تعوّل على الحملات الأمنية:
أعرب رئيس الوزراء "مصطفى مدبولي" عن أمله بأن تؤدي الحملات الأمنية والرقابية التي تقوم بها مختلف أجهزة الدولة المصرية في اتخاذ ما يلزم من خطوات وإجراءات من شأنها أن تساهم في توفير السلع بالكميات والأسعار المناسبة وضبط الأسواق لتوفير احتياجات ومتطلبات المواطنين.
وأقالت وزارة التموين وكيل الوزارة بمحافظة قنا، جنوب البلاد، منذ يومين، عقب ظهور أزمة حادة بأسواق المحافظة في السكر وأسطوانات غاز الطهو، التي ارتفع سعرها من متوسط 100 إلى 150 جنيها، رغم ثبات سعرها الرسمي عند 80 جنيها للأنبوب (الدولار = 31 جنيها رسميا).
كما يتوقع برلمانيون أن يكون للإجراءات الأمنية أثر إيجابي على استقرار سعر الدولار في السوق الموازية، بما يمكن الحكومة من استعادة التوازن لأسعار السلع ومستلزمات الإنتاج والسيطرة على التضخم والسيطرة على الأسواق.
وأعلنت وزارة الداخلية عن ضبط 282 قضية اتجار غير مشروع بالنقد الأجنبي خلال الأيام العشرة الماضية، بلغت قيمتها 143.7 مليون جنيه، مشيرة في بيان صحافي إلى مواصلة الجهود لملاحقة تجار العملة ومن تطلق عليهم اسم "حيتان الذهب" ومحتكري الكميات الكبيرة من السلع الغذائية.
هذا، ويتوقع الخبراء أن يواصل البنك المركزي سياساته النقدية المتشددة التي ترتكز على زيادة معدلات الفائدة، مع توجه الحكومة إلى ترشيد النفقات العامة بنسبة 15%، حتى يوليو/ تموز المقبل.
كل ذلك يحصل بهدف توفير أكبر قدر من العملة الصعبة، ومواجهة فجوة التمويل المتصاعدة، بسبب خسائر بإيرادات قناة السويس في شهري ديسمبر ويناير الماضيين، وارتفاع متوقع بسعر البترول من 80 إلى 85 دولارا خلال العام المالي المقبل، وتعطل برنامج خصخصة الأصول العامة، التي تعتمد عليها الحكومة في سد الفجوة التمويلية.